يعد التبصيم في الادلة الجنائية واحد من أقوى الأسلحة العلمية بيد المحقق للوصول إلى الحقيقة لكنه في الوقت ذاته إجراء نظامي دقيق له ضوابطه وحدوده أمام القضاء ولكن هذا يضعنا أمام العديد من الأسئلة هل تكفي بصمة واحدة لإدانة إنسان؟ وما الحقوق التي يكفلها له النظام أثناء هذا الإجراء؟ هذا ما نجيب عنه في مكتب خلف المغيرة باعتبارنا محامي قضايا جنائية بخبرة دامت لسنوات طويلة.
تاريخ استخدام البصمات في التحقيقات الجنائية:
التطور التاريخي:
يعد استخدام البصمات من أقدم الوسائل التي اعتمدت عليها المجتمعات البشرية لإثبات الهوية فقد استُخدمت في بعض الحضارات القديمة لتوثيق العقود والمعاملات التجارية. ومع بداية القرن العشرين، بدأت أجهزة الشرطة حول العالم في اعتماد البصمات رسميا كوسيلة لتحديد هوية المجرمين.
الوضع في المملكة:
في المملكة العربية السعودية، واكبت الجهات الأمنية هذا التطور العلمي مبكرا حيث أنشئت إدارات متخصصة بالأدلة الجنائية ضمن هيكل وزارة الداخلية لتتولى مهمة رفع البصمات وتحليلها، ثم جاء التبصيم في الادلة الجنائية لاحقاً لينظم بشكل أدق ضمن نظام الإجراءات الجزائية ولائحته التنفيذية بما يضمن اتباع إجراءات علمية ونظامية موحدة عند جمع هذا النوع من الأدلة والاستفادة منه.
أنواع التبصيم في الادلة الجنائية:
الخبرة الخالصة من محامي قضايا جنائية عاصر مئات القضايا تؤكد على انه لا تقتصر عملية التبصيم في الادلة الجنائية على نوع واحد من البصمات بل تتعدد أشكالها بحسب طريقة ظهورها على مسرح الجريمة والغرض من استخدامها.
أنواع بصمات الأصابع حسب طريقة الظهور:
- البصمة الظاهرة (المرئية): وتنتج عادة عن ملامسة الأصابع لمادة ملونة كالدم أو الحبر أو الطلاء وتكون مرئية بالعين المجردة.
- البصمة الكامنة (غير المرئية): وهي الأكثر شيوعا في مسارح الجرائم وتنتج عن إفرازات العرق والزيوت الطبيعية للجلد، وتحتاج إلى معالجة كيميائية أو ضوئية لإظهارها.
- البصمة الغائرة (المطبوعة): وتتشكل عند ترك أثر الإصبع في مادة طرية كالشمع أو الصلصال أو الطلاء الرطب.
أنواع أخرى من البصمات:
إلى جانب بصمات الأصابع، توسّع مفهوم التبصيم في السنوات الأخيرة ليشمل وسائل أخرى مثل بصمة الكف، والبصمة الوراثية (DNA)، وبصمة القدم، وحتى البصمة الصوتية في بعض القضايا التقنية، وكلها تخدم الهدف ذاته وهو تحديد هوية الأشخاص المرتبطين بواقعة الجريمة بدقة.
كيف يتم رفع البصمات من مسرح الجريمة؟
- تأمين مسرح الجريمة: منع دخول أي أشخاص غير مصرح لهم لتفادي تلوث الأدلة أو طمسها.
- المسح البصري الأولي: تحديد الأسطح والأدوات المحتمل وجود بصمات عليها كالمقابض والزجاج والأسلحة.
- الكشف عن البصمات الكامنة: باستخدام مساحيق كيميائية خاصة أو أبخرة مثل بخار اليود أو مادة النينهيدرين حسب طبيعة السطح.
- التوثيق الفوتوغرافي: تصوير البصمة في موقعها قبل نقلها مع إثبات القياسات والمسافات.
- الرفع الفعلي للبصمة: باستخدام شريط لاصق شفاف أو جهاز مسح إلكتروني متطور ينقل البصمة إلى شريحة مخصصة.
- التغليف والتوثيق: حفظ الدليل في كيس أو ظرف مخصص مع تدوين بيانات الزمان والمكان وسلسلة حفظ الدليل.
مراحل فحص وتحليل البصمات:
- الاستلام والتوثيق: تسجيل الدليل في السجل المخبري وربطه برقم القضية.
- التصنيف الأولي:تحديد النمط العام للبصمة، سواء كانت قوسية أو حلقية أو دوامية.
- تحسين جودة الصورة:عبر برامج رقمية متخصصة لإبراز التفاصيل الدقيقة وإزالة التشويش.
- استخلاص النقاط المميزة:رصد النقاط الفريدة في خطوط البصمة والتي تستخدم لاحقا في عملية المطابقة.
- إدخال البيانات إلى قاعدة البيانات الآلية:لمقارنتها ببصمات مسجلة مسبقا.
- إعداد التقرير الفني:الذي يوثق نتائج الفحص ويُرفع إلى جهة التحقيق.
كيفية مقارنة البصمات وتحديد الهوية:
- التحليل: دراسة جودة البصمة المرفوعة ومدى صلاحيتها للمقارنة.
- المقارنة: مطابقة النقاط المميزة في البصمة المرفوعة مع بصمات مرجعية مأخوذة من المشتبه بهم.
- التقييم: تحديد درجة التطابق أو الاستبعاد بناء على عدد النقاط المتطابقة ونوعها.
- التحقق: مراجعة النتيجة من قبل خبير ثان للتأكد من دقة الاستنتاج قبل اعتماده رسميا.
وتساهم الأنظمة الآلية الحديثة للتعرف على البصمات في تسريع هذه العملية عبر مقارنة آلاف البصمات في قواعد بيانات ضخمة خلال دقائق إلا أن القرار النهائي يبقى دائما بيد الخبير المختص.
دور خبراء الأدلة الجنائية في التبصيم:
الدور المحوري:
يقع على عاتق خبراء الأدلة الجنائية دور محوري في نجاح عملية التبصيم في الادلة الجنائية، إذ يتولون مهام الانتقال إلى مسرح الجريمة ورفع الآثار والبصمات وفحصها ثم إعداد التقارير الفنية التي تعرض على جهة التحقيق والمحكمة.
التكليف النظامي:
وقد نصت اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية صراحة على تكليف المحقق لخبراء الأدلة الجنائية بالبحث عما يتركه الجاني من آثار تفيد التحقيق كالبصمات وآثار الأقدام وبقع الدم، ورفعها وتوثيقها بشكل نظامي.
الشهادة الفنية:
كما يُعد هؤلاء الخبراء شهودا فنيين قد تستدعيهم المحكمة لتوضيح تقاريرهم أو الإجابة عن استفسارات الدفاع وتخضع تقارير خبرتهم لأحكام نظام الإثبات الذي ينظم قواعد الاستعانة بالخبرة أمام القضاء.
مدى دقة البصمات في الإثبات الجنائي:
- جودة البصمة المرفوعة من مسرح الجريمة ووضوح تفاصيلها.
- كفاءة الخبير القائم على الفحص وخبرته العملية.
- سلامة إجراءات الحفظ والنقل ومنع التلوث أو التلف.
- عدد النقاط المتطابقة المعتمدة في عملية المقارنة.
ورغم أن نسبة الخطأ في تحليل البصمات منخفضة جداً مقارنة بوسائل الإثبات الأخرى، إلا أنها ليست معدومة تماماً، ولهذا تعامل تقارير الخبرة كقرينة قوية تخضع لتقدير القاضي إلى جانب باقي عناصر الدعوى.
أسباب فشل استخراج البصمات من مسرح الجريمة:
- تلوث مسرح الجريمة:نتيجة دخول أشخاص غير مصرح لهم قبل تأمين الموقع.
- طبيعة السطح:بعض الأسطح المسامية أو الخشنة لا تحتفظ ببصمات واضحة.
- الظروف الجوية:كالحرارة المرتفعة أو الرطوبة أو المطر التي قد تُتلف الأثر قبل رفعه.
- استخدام الجاني للقفازات:ما يمنع ترك أي بصمة أصلا.
- التأخر في الوصول لمسرح الجريمة:مما يتيح فرصة لتلاشي البصمة الكامنة.
- أخطاء فنية في أسلوب الرفع:باستخدام مادة كيميائية غير مناسبة لنوع السطح.
حقوق المتهم أثناء إجراءات التبصيم:
- الحق في معرفة سبب أخذ بصماته والجهة المسؤولة عن الإجراء.
- عدم جواز إكراهه أو الإساءة إليه أثناء تنفيذ الإجراء.
- الحق في الاستعانة بـ محامي قضايا جنائية لمتابعة سلامة الإجراءات النظامية المتبعة.
- حفظ بياناته الشخصية و البيومترية بسرية تامة وعدم استخدامها خارج نطاق القضية.
- حق الطعن أمام الجهات القضائية إذا شاب الإجراء أي مخالفة نظامية.
حجية البصمات أمام المحاكم:
تتمتع تقارير التبصيم في الادلة الجنائية بحجية معتبرة أمام القضاء بوصفها من تقارير الخبرة الفنية التي ينظمها نظام الإثبات، إلا أنها كما قلنا سلفا لا تعامل كدليل قاطع يلزم القاضي تلقائيا بالإدانة فالقاضي يملك سلطة تقديرية في تقييم قوة الدليل ومدى انسجامه مع بقية عناصر القضية.
متى تكون البصمة دليلًا كافيًا للإدانة؟
- وجود البصمة في مكان مباشر الصلة بالجريمة، كمقبض السلاح أو أداة الاقتحام.
- انعدام تفسير منطقي أو مشروع لوجود بصمة المتهم في ذلك الموقع.
- توافق زمن ومكان العثور على البصمة مع توقيت وقوع الجريمة.
- تعزز البصمة بأدلة أخرى كالشهادة أو الأدلة الرقمية أو الاعتراف.
ما العقوبة القانونية لمن يتعمد إتلاف أو إخفاء البصمات الجنائية؟
يجرم النظام كل فعل يهدف إلى طمس أو إتلاف أو إخفاء الأدلة الجنائية، بوصفه عرقلة لسير العدالة و إخلالا بمقتضيات التحقيق النظامي ويخضع مرتكب هذا الفعل للمساءلة الجزائية، وتُقدَر العقوبة تعزيرية من قبل القاضي بحسب جسامة الفعل وظروف الواقعة.
الأخطاء الشائعة في فحص البصمات الجنائية:
- التلوث المتبادل بين عينات مختلفة نتيجة سوء التعامل مع الأدلة.
- ضعف توثيق سلسلة حفظ الدليل من لحظة الرفع حتى عرضه في المحكمة.
- الاعتماد المفرط على نتائج الأنظمة الآلية دون تحقق بشري كاف.
- التحيز التأكيدي لدى بعض الفاحصين عند وجود معلومات مسبقة عن المشتبه به.
- التقاط صور بجودة منخفضة لا تُظهر التفاصيل الدقيقة للبصمة.
- عدم تحديث قواعد البيانات أو مطابقتها بشكل دوري ودقيق.
الأسئلة الشائعة:
هل تُقبل البصمات المصورة كدليل أمام المحكمة؟
يمكن قبول الصور الفوتوغرافية للبصمة كدليل مساند إذا استوفت شروط التوثيق النظامي.
هل يمكن تبرئة متهم رغم وجود بصماته في مكان الجريمة؟
نعم، فوجود البصمة لا يعني بالضرورة الإدانة، إذ قد يقدم المتهم تفسيرا مشروعا لوجودها في ذلك المكان.
هل يمكن الاعتماد على بصمة واحدة فقط لإثبات الجريمة؟
من الناحية النظرية يمكن ذلك إذا كانت البصمة واضحة الدلالة ومرتبطة مباشرة بأداة الجريمة دون أي تفسير بديل معقول، إلا أن الممارسة القضائية غالباً ما تفضل تعزيز البصمة بأدلة أو قرائن إضافية قبل بناء حكم الإدانة عليها.
هل يمكن الحصول على نسخة من تقرير البصمات الجنائية؟
يحق لأطراف الدعوى ووكلائهم النظاميين الاطلاع على تقرير الأدلة الجنائية والحصول على نسخة منه ضمن إجراءات القضية.
هل توجد جرائم يصعب فيها الاعتماد على البصمات كدليل؟
نعم، ففي بعض الجرائم الإلكترونية أو التي لا يترك فيها الجاني أثراً ماديا مباشرا، يصعب الاعتماد على البصمات التقليدية وتتجه جهات التحقيق حينها إلى أدلة رقمية أو تقنية بديلة تتناسب مع طبيعة الجريمة.
هل يمكن استخدام البصمات في التعرف على الجثث مجهولة الهوية؟
نعم، تستخدم بصمات الأصابع بشكل واسع في التعرف على هوية الجثث مجهولة الهوية من خلال مطابقتها بقواعد البيانات الرسمية.
يظل التبصيم في الادلة الجنائية ركيزة علمية لا غنى عنها في منظومة العدالة الجنائية، إلا أن قوته الإثباتية لا تقاس بدقته الفنية وحدها، بل بمدى التزام الجهات المختصة بالضوابط النظامية عند رفعه وفحصه وعرضه أمام المحكمة. فالبصمة قرينة علمية قوية لكنها ليست حكم جاهز، ولهذا، فإن التعامل السليم مع مثل هذه القضايا -سواء من موقع المتهم أو المتضرر- يستوجب دوما الاستعانة بمحامي قضايا جنائية متخصص .
